مقالة
قبل أن أنظر إلى الأنظمة، أتتبّع قراراً واحداً: من طرحه، ومن كان يستطيع إيقافه، وكم استغرق، وأين كُتب.
حين يُطلب مني تقدير ما إذا كانت مؤسسة مستعدّة لنظام مؤسسي، لا أبدأ بجرد الأنظمة القائمة ولا بمراجعة البنية التقنية. أبدأ بقرار واحد.
أطلب قراراً حقيقياً اتُّخذ قبل أسابيع قليلة، متوسّط الأثر: ليس استحواذاً على شركة، ولا استبدال طابعة. ثم أتتبّع فيه أربعة أمور فقط. تستغرق الجلسة بعد ظهر يوم واحد، وتخبرني عن احتمالات نجاح التحوّل أكثر مما يخبرني به تقرير فنّي كامل.
الأسئلة الأربعة
من طرحه؟ ليس من وقّعه، بل من رأى الحاجة أولاً وتحمّل عبء إثارتها. في المؤسسات التي تعمل بصحّة، تُطرح القرارات من الموضع الذي يرى المشكلة. في غيرها لا تُطرح إلا حين تصل إلى موضع يملك صلاحية الشكوى.
من كان يستطيع إيقافه؟ هذا سؤال عن السلطة الحقيقية لا عن الهيكل المعلن. أحياناً يكون الجواب: لا أحد، وهذا ليس مؤشّر سرعة بل مؤشّر غياب مراجعة. وأحياناً يكون الجواب: سبعة أشخاص، وعندها لا يُوقف القرار وإنما يُؤجَّل حتى يذبل.
كم استغرق؟ لا أبحث عن السرعة. أبحث عن التناسب. قرار بحجم متوسط استغرق أسبوعاً قد يكون سليماً، واستغراقه أربعة أشهر يعني أن في المسار عقدة لا يعرفها أحد بعينه، وستظهر هذه العقدة نفسها في كل قرار لاحق.
أين كُتب؟ هنا يقع الجواب الحاسم.
لماذا السؤال الرابع هو الفاصل
إذا كان قرارٌ ذو أثر يعيش في محادثة على الهاتف، أو في ذاكرة أحدهم، أو في رسالة لا يستطيع أحد استخراجها اليوم، فالمؤسسة لا تملك بعد نموذج تشغيل يمكن للنظام أن يُواءَم معه. تملك شبكة علاقات عمل جيدة، وهذه شيء آخر، ولا تنجو حين تُرمَّز.
الفرق بين الحالتين لا يظهر في الأداء اليومي. المؤسسة التي تُدار بالعلاقات قد تكون أسرع وأكثر مرونة من غيرها، ما دام الأشخاص أنفسهم في مواقعهم. لكنها لا تستطيع أن تُسلّم قراراتها إلى نظام، لأن ما ستُسلّمه ليس مكتوباً أصلاً.
ماذا يحدث حين يدخل النظام على قرارات غير مكتوبة
كل تطبيق لنظام مؤسسي يُخرج إلى السطح الأسئلة التي كانت المؤسسة تتجنّبها: ما معنى الاعتماد؟ متى يُعدّ العمل منتهياً؟ أيّ جهة تتحمّل التكلفة؟
هذه أسئلة إدارية في ظاهرها، وهي في حقيقتها أسئلة عن السلطة. وإذا لم يُجب عنها أحد من موقع مسؤول، أجاب عنها الإعداد التقني: شخصٌ في غرفة، بعد ظهر يوم، تحت ضغط جدول زمني. ثم يصبح ذلك الجواب هو التعريف المعتمد، لكل الناس، وبصورة دائمة لا يلحظها أحد.
لا يشعر أحد بأن قراراً قد اتُّخذ. يظهر الأمر لاحقاً في صورة تقرير لا يُصدَّق، أو خلاف على أيّ الأرقام أصحّ، أو طلب تعديل يبدو صغيراً وليس كذلك.
غياب النظام السابق ليس صفحة بيضاء
يُظنّ أن المؤسسة التي لم تعرف نظاماً مؤسسياً من قبل تبدأ من موقع أفضل: لا ترحيل بيانات، ولا عادات راسخة، ولا كلفة سابقة. والأقرب إلى الواقع عكس ذلك.
المؤسسة التي لم تُدِر نظاماً من قبل لم تُضطرّ يوماً إلى الاتفاق على تعريفاتها. عملت بالمطابقة: للمالية نسخة، وللمشتريات نسخة، وللتشغيل ثالثة، ويُغلق الفارق بالحديث بين الناس. وهذا ينجح فعلاً، بكلفة لا تُقيَّد في دفتر.
فإذا جاء أول نظام، صار التطبيق أول مناسبة في تاريخ المؤسسة يسأل فيها أحدٌ عن معنى الاعتماد. وهذا النقاش ليس تأخيراً يسبق المشروع. هو المشروع نفسه، ويُحسَب له وقته صراحةً، وإلّا اقتُطع من وقت خُصّص لغيره.
ما الذي يستحقّ أن يُكتب قبل أي عرض تقني
ليست المطلوبات دفتراً ضخماً. المطلوب صفحات قليلة تُجيب عمّا يلي إجابة يمكن الدفاع عنها: معنى الاعتماد وما الذي يلتزم به الموقِّع، ومتى يُعدّ العمل منتهياً ومن يُقرّ ذلك، وأيّ كيان يتحمّل أيّ تكلفة حين تتداخل الملكية.
ثم سؤال أخير يكشف ما إذا كان ما سبق حقيقياً: إذا اختلف النظام والمؤسسة على متى ينتهي العمل، فمن يحسم؟ إن كان الجواب شخصاً بعينه يملك أن يُثبّت التعريف، فللمشروع عمود فقري، ويصبح اختيار النظام اختياراً تقنياً حقيقياً. وإن كان الجواب لجنة أو صمتاً، فالمسألة لم تُحلّ، ولن يحلّها أيّ منتج في القائمة المختصرة.
ما أنظر إليه أولاً ليس البنية التقنية، بل كيف يسير القرار. وهذا وحده يُقدّر احتمال نجاح التحوّل أكثر من أيّ تدقيق للأنظمة، ويمكن إجراؤه قبل التواصل مع أيّ مورّد.
طريقة عملي في هذا، وشروطه، مبيّنة في الاستشارات.